الإنسانية

الإنسانية

الارتقاء الى المستوى الإنساني


  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الدين والعلم بقلم آلبرت آينشتاين ١٩٣٠

شاطر
avatar
أبو عماد
Admin

عدد المساهمات : 517
تاريخ التسجيل : 20/11/2012
العمر : 62
الموقع : damas

الدين والعلم بقلم آلبرت آينشتاين ١٩٣٠

مُساهمة  أبو عماد في الأحد 22 أكتوبر 2017 - 13:06

إن كل ما يصدر عن الإنسان من أفكار ونشاطات يهدف بها إلى تحقيق غايتين أساسيتين، أولا؛ أن تتوفر له احتياجاته الجوهرية وهي احتياجات يحس بها إحساسا عميقا، و ثانيا ليتحاشى حدة الألم. يجب أن لا يغيب هذا أبدا عن بالنا إذا أردنا أن نفهم الحركات الفكرية وسيرها. إن العاطفة والحنين هما القوة الدافعة التي تقف وراء كل مجهود وابتكار بشري ملهم مهما تخفى هذان الحافزان وتسترا وراء مختلف الأقنعة وأشدها غرابة. والآن ما هي الاحتياجات والأحاسيس التي التي قادت الإنسان إلى الفكر الديني والعقيدة بأوسع معاني هذه الكلمات؟ إننا اذا تأملنا هذا السؤال قليلا لوجدنا حول مهد الفكر والتجربة الدينية مشاعر شديدة التباين. لقد كان الخوف بالنسبة إلى الإنسان البدائي هو مصدر الأفكار الدينية. الخوف من الجوع ومن الوحوش المفترسة ومن المرض ومن الموت أخيرا. وعندما كان الإنسان، في هذا الطور من وجوده، لا يدرك الارتباط السببي للأشياء إلا ادراكا واهيا، ابتدع العقل البشري كائنات وهمية أشبه ما تكون بأنفسنا تسيطر بإرادتها على ما نرهبه من حوادث، ومن ثم فكر باستجلاب رضاء هذه الكائنات بأن قدم لها القرابين وأقام لها الشعائر والطقوس التي انتقلت بطريقة تقليدية من جيل الى جيل على زعم أن ذلك يهدئ ثورتها أو يستجلب عطفها. ولذلك فإنني اسمي هذه الديانة ديانة الرعب التي على الرغم من أنها ليست من ابتكار طبقة كهنوتية خاصة، جعلت من نفسها وسيطا بين الكائنات الوهمية وبين الناس وأرست على هذا الأساس قواعد سلطانها. وفي كثير من الحالات يجمع الحكام بين السلطة والكهانة لكي يوطدوا أركان حكمهم أو لإقامة مصالح مشتركة خاصة بين طبقة الحكام وطبقة الكهان.

ثم كانت الحوافز الاجتماعية مصدر آخر لتطور الدين. إن الآباء والأمهات أكبر قادة المجتمعات البشرية ليسو خالدين ولا معصومين من الخطأ، ورغبة الإنسان في الرعاية والحب والعون دفعته إلى ابتداع التصور الاجتماعي أو الأخلاقي عن الله. إنه الاله الذي يرعانا برعايته وهو الذي يحمينا وهو القادر الذي يكافئ ويعاقب، انه الإله الذي، تبعا لإتساق أفق المؤمن، يحب ويحمي حياة القبيلة أو الجنس البشري أو حتى الحياة ذاتها، وهوالمعزي في الشدائد وعند ضيعة الأمل، وهو الذي يحفظ أرواح الموتى. هذا هو التصور الإجتماعي أو الأخلاقي للإله.

وتوضح الكتب المقدسة للديانة اليهودية الانتقال من ديانة الرعب إلى ديانة الأخلاق، ولقد كان هذا الانتقال تقدميا استمر في العهد الجديد. إن ديانات كل الشعوب المتحضرة خصوصا شعوب الشرق هي أساسا ديانات أخلاقية. ولقد كان الانتقال من ديانة الرعب إلى الديانة الأخلاقية خطوة كبرى في الشعوب. ومع ذلك نرتكب تحيزا صارخا إذا ظننا أن كل الديانات البدائية تقوم كليا على الرعب وأن ديانات الشعوب المتحضرة تقوم كليا على الأخلاق. يجب أن نتحاشى هذا التحيز، فالحق هو أن جميع الديانات مزيج متفاوت منهما، مع فارق واضح كلما ارتفع المستوى الاجتماعي لحياة شعب رجحت كفة الديانة الأخلاقية عنده.

وتشترك جميع هذه الاشكال من الديانات في الطابع الإنساني لتصورها لله. ولا يعلوا فوق هذا المستوى من الإدراك إلا أفراد موهوبون لهم مواهب نادرة وجماعات غير عادية على درجة من سمو الفكر. ولكن ثمة طورا ثالثا من التجربة الدينية تشترك فيه جميع هذه الأشكال رغم أننا لا نقابله بصورة خالصة وسأسميه “الشعور الديني الكوني”. ومن العسير جدا توضيح هذا الشعور لمن لا يعرفه اطلاقا خصوصا وأنه ليس هناك تصور إنساني لله يناظره.

إن الفرد يحس من ناحية بعبث رغبات البشر وأهدافهم ومن الناحية الأخرى يحس بالسمو والانتظام الرائع اللذين يتجليان في كل من الطبيعة وعالم الفكر. وهنا يبدوا له الوجود الفردي نوعا من السجن ويود أن يكابد الكون أو يلم به ككل واحد له مغزى. وبدايات الشعور الديني الكوني يظهر في طور متقدم من أطوا التطور الديني. مثلا في كثير من مزامير داوود وفي بعض الأنبياء كذلك، وتشمل بوذا أيضا، كما تعلمنا من كتابات شوبنهاور الرائعة التي احتوت على عناصر أقوى حتى من هذا الشعور الديني الكوني.

ولقد كان لكل العبقريات الدينية في كل العصور حظها من هذا النوع من الشعور الديني الذي لا يعرف العقائد ولا الإله الذي على صورة إنسان. وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون هناك معبد تقوم تعاليمه الأساسية عليه. ومن هنا نجد على مر العصور أن الرجال الذين تشبعوا بأعلى درجات هذا الشعور الديني، تم حسابهم ضمن الهراطقة وقد عدهم معاصروهم في زمرة الكفرة أحيانا، ومن القديسين أحيانا أخرى! ومن هذة الزاوية نجد أن رجالا مثل ديموقريطس وفرنسوا داسيس وسبينوزا شديدوا التقارب فيما بينهم. ولكن كيف ينتقل الشعورالديني الكوني من فرد إلى آخر ما دام لا يؤدي إلى فكرة محددة عن الله ولا يؤدي إلى نظرية لاهوتية؟ في رأيي؛ إن أهم وظائف الفن والعلم هي في إيقاظ هذا الشعور وحفظه حيا بين من يستطيعون الإحساس به.

وهكذا نصل إلى تصور للعلاقة بين العلم والدين يختلف اختلافا جوهريا عن التصور المألوف. إن المرء عندما ينظر إلى هذا الموضوع من زاوية تاريخية يميل إلى اعتبار العلم والدين عدوين لدودين، ولسبب واضح فالمرء الذي اقتنع اقتناعا تاما بأن قانون السببية يحكم جميع الحوادث الكونية، لا يمكن أن يتقبل فكرة تدخل كائن ما بمجرى الأحداث وتغييرها. إنه ليس بحاجة على الاطلاق لديانة الرعب. وبالمثل تقريبا مع الديانة الاجتماعية والأخلاقية، فهو لا يتصور إلها يعاقب ويكافئ، لأن أعمال الإنسان تحددها الحاجة، سواء كانت حاجة داخلية أو خارجية، بحيث لا يمكن أن يكون مسؤولا أمام الله، أكثر من مسؤولية حجر أصم. وعلى ذلك اتهم العلم بأنه يهدم النظرية الأخلاقية من أساسها، وهو اتهام ظالم. إن السلوك الأخلاقي للإنسان يجب أن يقوم في الواقع على التعاطف والتربية والروابط والاحتياجات الإجتماعية دون الحاجة إلى الأساس الديني. كم يكون الإنسان مهينا، يستحق الشفقه إذا كان لا يسلك سلوكا حميدا إلا لخوف من العقاب أو ابتغاءا للثواب بعد الموت. ومن السهل علينا أن نرى السر في أن الكنائس قاومت العلم على مر العصور واضطهدت رجاله المخلصين، ولكن من الناحية الأخرى أؤكد أن كل الشعور الديني الكوني من أنبل وأقوى الحوافز على البحث العلمي. إن الذين يدركون مدى الجهود الهائلة وفوق كل شيئ التفرغ التام الذي لولاه لا يمكن أن يتحقق أي عمل رائد في العلم النظري، هم وحدهم الذين يقدرون مدى قوة الشعور الذي يصدر عنه وحده مثل هذا العمل. ومهما كان بعيدا عن واقع الحياة المباشرة فما أروع الإيمان بمعقولية الكون، وما أحر الإشتياق إلى الإلمام بذلك العقل الذي يشير إليه ذلك الإيمان. وهذا هو الاشتياق الذي اكتوى بناره كبلر ونيوتن واستمدا منه تلك الطاقة الجبارة التي حفزتهم على البحث المتفرغ لعدة أعوام عن أسس ميكانيكا الأجرام السماوية. إن الذين لا يقدرون البحث العلمي إلا عن طريق ما يقدمه من نتائج عملية، يقعون بسهولة فريسة فهم زائف لعقلية أولئك الذين أوضحوا، رغم شكوك المحيطين بهم، معالم الطريق للعقول المتقاربة التي ظهرت فرادى في جميع بقاع العالم عبر الأجيال. إن الذين وهبوا حياتهم لمثل هذا الغرض هم وحدهم الذين يستطيعون أن يكونوا صورة حية لما ألهم هؤلاء العلماء ومنحهم القوة أن يظلوا متشبثين بأهدافهم رغم الفشل المتكرر. إنه الشعور الديني الكوني الذي أعطى أمثال هؤلاء الرجال تلك القوة، ولقد قال بحق أحد الكتاب المعاصرين “إن العاملين بجد في الحقل العلمي هم وحدهم في هذا العصر المادي الرجال عميقوا التدين”.

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 16:29