الإنسانية

الإنسانية

الارتقاء الى المستوى الإنساني


  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الله يكتب بإصبعه عند اليهود

شاطر
avatar
أبو عماد
Admin

عدد المساهمات : 515
تاريخ التسجيل : 20/11/2012
العمر : 62
الموقع : damas

الله يكتب بإصبعه عند اليهود

مُساهمة  أبو عماد في السبت 1 أكتوبر 2016 - 10:22

.

------------------
إن الكتاب المقدس اليهودي يتضمن مجموعة من الأسفار استغرق تأليفها قرونًا عديدة، وبعضها يحمل اسم مؤلفها، بينما بعضها الآخر دون مؤلف. وبعض نصوص العهد القديم تشير إلى أنها موحى بها من الله مباشرة لموسى، لا بل مكتوبة بإصبع الله. ونعطي هنا ثلاثة أمثلة من هذه النصوص:
.
يذكر سفر الخروج 31: 12-18
وكَلَّمَ الرَّبُّ موسى قائلًا: وأَنتَ فكَلِّمْ بَني إِسْرائيلَ وقُلْ لَهم: إِحفَظوا سُبوتي خاصَّةً، لأَنَّها عَلامةٌ بَيني وبَينَكم مَدى أَجْيالِكم، لِيَعلَموا أَنِّي أَنا الرَّبُّ مُقَدِّسُكم. فآحفَظوا السَّبْت، فإِنَّه مُقَدَّسٌ لَكم، من آستَباحَه يُقتَلْ قَتْلًا. كُلُّ مَن يَعمَلُ فيه عَمَلًا تُفصَلُ تِلكَ النَّفْسُ مِن وَسْطِ شَعبْها. في سِتَّةِ أيام تُصنَعُ الأَعْمال، وفي اليَومِ السَّابِعِ سَبْتُ راحةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبّ. كُلُّ مَن عَمِلَ عَمَلًا في يَومِ السَّبتِ يُقتَلُ قَتْلًا. فلْيَحفَظْ بَنو إسْرائيلَ السَّبْت، حافِظِينَ إِيَّاه مَدى أَجْيالِهم عَهْدًا أَبَدِيًّا. فهُو بَيني وبَينَ بَني إِسْرائيلَ عَلامةٌ أَبَدِيَّة، لأَنَّه في سِتَّةِ أيام صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَواتِ والأَرض، وفي اليَومِ السَّابِعِ آستَراحَ وتَنَفَّس. ولَمَّا آنتَهى اللهُ مِن مُخاطَبَةِ موسى على جَبَلِ سِيناء، سلَّمَه لَوحَيِ الشَّهادة، لَوحَينِ مِن حَجَر، مَكْتوبَينِ بِإِصبَعِ الله.

وينقل لنا سفر تثنية الإشتراع 9: 7-12 قولا منسوبا لموسى مخاطبًا شعبه:
اُذكُرْ، لا تَنْسَ أنَّكَ أَغضَبتَ الرَّبَّ إِلهَكَ في البَرِّيَّة، فإِنَّكَ مُنذُ يَومِ خروجكَ مِن مِصرَ، حتَّى وُصولكم إلى هذا المَكاَن، لم تَزالوا تَتَمَرَّدونَ على الرَّبّ، وفي حوريبَ أَغضَبتُمُ الرَّبَّ، فغَضِبَ علَيكم وكادَ يُبيدُكم. حينَ صَعِدتُ الجَبَلَ لآخُذَ لَوحَيِ الحَجَر، لَوحَيِ العَهدِ الَّذي قَطَعَه الرًب معَكم. فأَقَمتُ بِالجَبَلِ أَربَعينَ يَومًا وأَربَعينَ لَيلَةً، لم آكُلْ خُبزًا ولم أَشرَبْ ماءً. ثُمَّ سَلَّمَ الرَّبُّ إِلَيَّ لَوحَيِ الحَجَرِ المَكْتوبَين بِإصبَعِ الله، وعلَيهما جَميعُ الكَلِماتِ الَّتي كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ بِها في الجَبَلِ مِن وَسَطِ النَّارِ في يَوم الاِجتِماع. وفي نِهايَةِ الأَربَعينَ يَومًا والأَرَبَعينَ لَيلَةً، كانَ أَنَّ الرَّبَّ سَلَّمَ إِلَيَّ لَوحَيِ الحَجَر، لَوحَيِ العَهْد، وقالَ ليَ الرَّبّ: قُمْ فانزِلْ على عَجَلِ مِن هُنا. لأَنَّه قد فَسَدَ شَعبُكَ الَّذي أخرَجتَه مِن مِصر، وِابتَعَدَ سَريعًا عنِ الطَّريق الَّتي أَوصَيته بِها وصَنعَ لَي تِمْثالًا مَسْبوكًا.
.
ولكننا نقرأ في فقرة أخرى من سفر الخروج 34: 27-28:
وقالَ الرَّبُّ لِموسى: أُكْتُبْ لَكَ هذا الكَلام، لأَّني بِحَسَبِه قَطَعتُ عَهْدًا معَكَ ومع إِسْرائيل. وأَقامَ موسى هُناكَ عِندَ الرَّبِّ أَربَعينَ يَومًا وأَربَعينَ لَيلَةً، لا يأكُلُ خُبزًا ولا يَشرَبُ ماءً، فكَتَبَ على اللَّوحَينِ كَلامَ العَهْد، الكَلِماتِ العَشْر.
وهنا واضح أن الوصايا العشر من كلام الله ولكن الذي كتبها بإصبعه ليس الله بل موسى ذاته.
.
وهناك نص في العهد القديم له دلالته:
بِكُلِّ ما أَنا آمُركم بِه تَحرِصونَ أَن تَعمَلوه، لا تَزِدْ علَيه ولا تَنقصْ مِنه. إِذا قامَ في وَسْطِكم نَبِيٌّ أَو حالِمُ أَحْلامٍ فعَرَضَ علَيكم آيةً أَو خارِقَة، ولو تَمَّتِ الآيَةُ أَوِ الخارِقَةُ الَّتي كَلَّمَكَ عَنها وقالَ لَكَ: لِنَسِرْ وَراءَ آِلهَةٍ أُخْرى لم تَعرِفْها فنَعبُدَها، فلا تَسمع كَلامَ هذا النَّبِيِّ أَو حالِمِ الأَحْلام، فإِنَّ الرَّبَّ إِلهَكم مُمتَحِنُكم لِيَعلَمَ هل أَنتُم تُحِبونَ الرَّبَّ إِلهَكم مِن كُلِّ قُلوبِكم ونُفوسِكم. وَراءَ الرَّبِّ إِلهِكم تَسيرون وإِيَّاه تَتَّقون، ووَصاياه تَحفَظون، ولِصَوتِه تَسمَعون، وإِيَّاه تَعبُدون وبِه تَتَعَلَّقون. وذلك النَّبي أَو حالِمُ الأَحلام يُقتَل، لأَنَّه، نادى بِالتَّمَرَّدِ على الرَّبِّ إِلهِكمُ الَّذي أَخرَجَكم مِن أَرضِ مِصرَ، وفَداكَ مِن دار العُبودِيَّة، لِيُبعِدَكَ عنِ الطَّريقِ الَّتي أَمَرَكَ الرَّبَّ إِلهُكَ بِأَن تَسيرَ فيها، فاقلعِ الشَّرَّ مِن وَسْطِكَ (تثنية 13: 1-6).
.
وهذا النص يذكرنا بقصة مسيلمة الكذاب في التراث الإسلامي... كما يذكرنا بإعتفاد المسلمين أن محمد هو خاتم الأنبياء اعتمادا على الآية التالية: ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (سورة الأحزاب 40)
.
التفريق بين الوحي والإلهام عند المسيحيين
--------------------------
أطلق المسيحيون على الكتاب المقدس اليهودي اسم العهد القديم وأضافوا إليه مجموعة من الأسفار أسموها بالعهد الجديد. وهذه الأسفار تحمل اسماء مؤلفيها، أو من يعتقد انهم مؤلفوها. ولكن بولس يقول:
فأُعلِمُكم، أَيُّها الإِخوَة، بِأَنَّ البِشارةَ الَّتي بَشَّرتُ بِها لَيسَت على سُنَّةِ البَشَر، لأَنِّي ما تَلقَّيتُها ولا أَخَذتُها عن إِنسان، بل بِوَحْيٍ مِن يسوعَ المسيح (غلاطية 1:11-12).
ويقول بطرس:
واعلَموا قَبْلَ كُلِّ شَيء أَنَّه ما مِن نُبؤَةٍ في الكِتابِ تَقبَلُ تَفسيرًا يَأتي بِه أَحَدٌ مِن عِندِه، إِذ لَم تأتِ نُبوءَةٌ قَطُّ بِإرادَةِ بَشَر، ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَمَلَ بَعضَ النَّاسِ على أن يَتَكَلَّموا مِن قِبَلِ الله (بطرس الثانية 1: 20-21).
.
وإن كان اليهود والمسيحيون يستعملون كثيرًا عبارة «كلام الله» عندما يتكلمون عن كتبهم المقدسة، إلا ان التيار الغالب يرى أن هذه الكتب التي لم تكتب بلغة واحدة، ليست كلامًا أوحى به الله حرفيًا، بل إن مؤلفيها كانوا تحت تأثير إلهام إلهي. فهم يفرقون بين الوحي (بالفرنسية révélation) والإلهام (بالفرنسية inspiration). فعلى سبيل المثال هناك أربعة أناجيل تختلف في الطول والتفاصيل، ولكنها تُعتبر كلها من إلهام الروح القدس.
ولتقريب فهم هذا الاختلاف بين الوحي والإلهام بالنسبة للمسلمين، يعتبر المسلمون القرآن موحى بلفظه ومعناه من عند الله، بينما الحديث فمعناه موحى من عند الله ولكن لفظه من عند محمد. فيمكن هنا ان نسمي القرآن موحى، بينما الحديث ملهم.
.
المسلمون ورثوا المعتقدات اليهودية حول مصدر التشريع
---------------------------
إن انتقلنا إلى القرآن، نرى أنه يعيد علينا فكرة تكليم الله لموسى وكتابته للألواح (وليس اللوحين):
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (92-4: 164)
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (73-21: 105).
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَكَتَبْنَا لَهُ فِي **الْأَلْوَاحِ** مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (39-7: 144-145).
واستعمال القرآن صيغة الجمع **الواح** بدلا من المثنى **لوحين** نابع من اعتقاد يهودي أن الله أوحى لموسى كل التوارة وليس فقط الوصايا العشر... مما يعني انه بحاجة لأكثر من لوحين.
وكلمة لوح نفسها مستعمله في اللغة العبرية. أي أن مؤلف القرآن اخذها مباشرة من التوراة.
וַיְהִי מִקֵּץ אַרְבָּעִים יֹום וְאַרְבָּעִים לָיְלָה נָתַן יְהוָה אֵלַי אֶת־**שְׁנֵי לֻחֹת** הָאֲבָנִים לֻחֹות הַבְּרִית
في نِهايَةِ الأَربَعينَ يَومًا والأَرَبَعينَ لَيلَةً، كانَ أَنَّ الرَّبَّ سَلَّمَ إِلَيَّ **لَوحَيِ** الحَجَر، لَوحَيِ العَهْد (سفر تثنية الإشتراع 9:11)
.
واعتمادًا على القرآن، يعتقد المسلمون أن أصل القرآن هو أم الكتاب (96-13: 39) في لوح محفوظ عند الله (27-85: 22). وهو منزل من عند الله في ليلة القدر التي يشير إليها في الآيات 25-97: 1-5، باللغة العربية (أنظر مثلًا الآية 45-20: 113)، لفظه ومعناه. ويستعمل القرآن في هذا المجال عبارة أنزل «إلى» محمد (انظر مثلًا آية 38-38: 29) وأنزل «على» محمد (أنظر مثلًا آية 59-39: 41). كما يستعمل القرآن عبارة أوحى «إلى» محمد (أنظر مثلًا الآية 4335: 31).
.
وقد اختلف المسلمون في كيفية إنزال القرآن من اللوح المحفوظ، والرأي الصحيح الذي ينقله لنا السيوطي هو أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجمًا على محمد بعضه في أثر بعض. وهذا القول هو في حقيقته محاكاة لاعتقاد يهودي ينص على أن التوراة نزلت جملة على موسى. وفسر المسلمون نزول القرآن مفرقًا بعد نزوله جملة واحدة لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي. ويستندون في ذلك على الآية: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا» (42-25: 32).
.
ويقول صبيح في هذا المجال:
نفهم [...] من آيات اللوح المحفوظ وليلة القدر وأم الكتاب أن القرآن نزل أول ما نزل جملة واحدة وأن الوحي كان يهبط به آيات على قلب النبي بحسب الحوادث العارضة. وذلك أنه قد سبق في علم الله أن هذه الحوادث ستحدث فقال فيها كلامه، ثم هبط بهذا الكلام الإلهي الوحي. كل قسم منه في موعده [...] وكان القرآن ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل [...] والحكمة في نزول الآيات قليلة العدد على هذا النحو، هي أن يتمكن النبي من حفظها ومن تعليمها للناس ومن إملائها على كتابه ليدونوها. وقد وردت في القرآن آية بهذا المعنى هي: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (50-17: 106).
.
النبي والشامان
----------
لن ندخل هنا في كيفية النزول أو الوحي والتحليل النفسي لهذه الظاهرة التي عرفت عند كثيرين قبل وبعد محمد في جميع بقاع الدنيا، كما هو الأمر في عصرنا هذا مع الظاهرة الشامانية. ونكتفي هنا بذكر ما يقوله ابن خلدون عن عوارض النبوة بصورة عامة، ونبوة محمد على وجه الخصوص:
وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شيء، وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية. ثم يتنزل إلى المدارك البشرية: إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه، أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله. ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما ألقي إليه. قال النبي وقد سئل عن الوحي: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول». ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه. ففي الحديث: «كان مما يعالج من التنزيل شدة» وقالت عائشة: «كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا». وقال تعالى: «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» (3-73: 5). ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون، ويقولون: له رئي أو تابع من الجن.
.
محنة خلق القرآن
-----------
ونشير في هذا المجال إلى ما يسمى في التاريخ الإسلامي بـ "محنة خلق القرآن"، إذ قال المعتزلة وغيرهم قبلهم أن القرآن مخلوق وليس كلام الله الأزلي، فاقتنع بهذا الرأي الخليفة المأمون وطالب بنشره وعزل كل قاضٍ لا يؤمن به، بينما مخالفوهم يرون ان القرآن كتاب غير مخلوق وكلام الله الأزلي. وقد ابتدأت هذه المحنة عام 833 وانتهت عام 861. وكانت المحنة تتلخص في سؤال واختبار أشخاص بعينهم، فيما يرونه من وجهة نظرهم، حول ما إذا كان القرآن مخلوقًا أم لا. وقد أجابت كل الطوائف أن القرآن هو الكلمة التي لم تمسها شائبة منسوبة إلى الله العلي، بما يعنى أن القرآن كلام الله ولم يخلق. وكانت المسألة: هل القرآن مخلوق أم أنه هو كلام الله؟ وكان هذا الجواب الأخير لا يخلو من العواقب بما فيها الفصل من الوظيفة العمومية، والسجن، وحتى الجلد والقتل أيضًا. فقد تم قتل ما يقارب ألف شخص في هذه المحنة. ومن بين الذين عُذبوا في هذه المحنة الإمام أحمد بن حنبل. وقد اعتبر المعتزلة أن القرآن يحوي نصوصًا متنوعة ومختلفة ومتعارضة أحيانًا، ففيها من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والكلام التشريعي والكلام الإخباري والكلام الوضعي، كما يجمع بين المسائل الروحية والدنيوية في آن. وإذا كان ليس جائزًا تنسيب التناقض في القول إلى الله، يصبح من الضرورة إذن اللجوء إلى النظر العقلي لتفسير ما ورد في القرآن، مما ينزع عنه الأبدية أو عدم الاجتهاد في نصوصه. ولم يكتف المعتزلة بتجاوز المألوف في الجدل اللاهوتي بقولهم بخلق القرآن، بل تجاوزوا ذلك إلى نفي صفة الإعجاز عنه، وهو ما نُظر إليه مساّ بمقدسات أجمع عليها المسلمون، وكانت مصدر فخرهم وتميزهم بأنّ كتابهم العظيم يستحيل الإتيان به من حيث النظم والبلاغة والفصاحة. وفي هذا المجال، كما في خلق القرآن، كان المعتزلة منطقيّين مع أنفسهم وأمناء لمنهجهم العقلاني في النظر إلى الأمور وعلى الأخصّ منها النص الديني، برفض كل ما لا يقبله العقل مهما أسدلت عليه صفات القدسية.
.
ورغم ضراوة الخصومة بين المؤيدين لفكرة خلق القرآن والمخالفين لهم فإنهم لم يتعرضوا لموضوع مؤلف القرآن. فهم جميعًا متفقون على أن القرآن ليس عملًا بشريًا، بل منزلًا من عند الله. وقد دحض القرآن فكرة أنه نتاج بشري: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ» (70-16: 103)؛ «وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» (85-29: 48)؛ «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» (42-25: 4-6).
.
موقف احمد القبانجي
--------------
ويشذ عن هذا الموقف أحمد القبانجي، وهو شيخ شيعي عراقي ينتمي إلى مدرسة العرفاء. فقد خطا خطوة جريئة في محاضراته معلنًا بصراحة أنه يجب أن ننزه الله من نسبة القرآن له. فهو يرى أن القرآن كلام إلهي (أي يتكلم عن الله) ولكن ليس من الله، والقرآن يعكس ثقافة النبي محمد، ولهذا وردت فيه الأخطاء البلاغية والأخلاقية، وكلها تحمل الطابع البشري. والنبي كان يجلس مع اليهود والنصارى وهو حتمًا سمع قصص الأنبياء وهي نفسها تم تجديد إنتاجها بصيغة أجمل في القرآن. فمثلًا داوود في التوراة زنا بزوجة قائد الجيش أوريا، إلا أن هذه الصيغة غير مذكورة في القرآن. ووفقًا لكلام الشيخ أحمد القبانجي، فإن القرآن هو نتاج ما سمعه النبي، وليس من تأليف شخص آخر غير النبي. وهو ينتقد الأسلوب الذي جُمع به القرآن ولكنه يبقى في نطاق التقليد الإسلامي في كيفية تدوين القرآن الذي بين أيدينا. وبطبيعة الحال، يرفض رجال الدين عامةً القول بأن القرآن ليس كلام الله، وهناك من يتهم الشيخ أحمد القبانجي بالزندقة ويحذر منه، كما هناك من يخاف أن يذهب ضحية أفكاره كمرتد. ومنهج القبانجي يصل إلى نفس النتيجة التي توصلنا لها فيما يخص الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية كما ذكرنا أعلاه، مما يعني أن القرآن ليس كلام الله للبشر، بل كلام البشر عن الله.
.
وإن قبلنا فكرة القبانجي أن القرآن «هو نتاج ما سمعه النبي، وليس من تأليف شخص آخر غير النبي»، فإن هذا يعني أن النبي كان ذا معلومات واسعة ومتنوعة، وهو أمر مستغرب خاصة إن قبلنا بفكرة انه كان أميًا لا يعرف الكتابة والقراءة كما يقول التيار الغالب بين المسلمين. ولكن حتى وإن قبلنا بمقولة انه كان يعرف الكتابة والقراءة، فهذا يعني انه كان مثابرًا على القراءة ومنتميًا إلى حلقة دراسية كما هو الأمر عند رجال الدين المتبحرين. وهو أمر لا ذكر له في كتب السيرة أو التاريخ الإسلامي.
.
ولنفرض ان المعلومات تنقصنا حول هذا الحدث المهم، أو تم تغييبها لسبب أو لآخر، فهذا يعني انه كان إما يهوديًا أو راهبًا ينتمي إلى إحدى الطوائف النصرانية قبل ان يقرر إنتاج دين جديد. وقد يدعم هذه الفكرة الأخيرة تكرار كلمتي «الذكر» و«الذكرى» في القرآن التي تشير في اللغة السريانية (دوكرون) إلى الصلوات التي يرددها الرهبان في التقليد الشرقي حتى يومنا هذا. وقد استعملت هذه الكلمة كمرادف لكلمة القرآن التي هي أيضًا من أصل سرياني وتطلق على الفصول من الكتاب المقدس التي كان يجب ان تقرأ في الكنائس. وفي تلك الصلوات يتم عامة سرد أسماء الأنبياء كما يتم في عدة سور من القرآن دون الدخول في التفاصيل.
.
هذا ويرى البعض أن محمد قد يكون نصرانيًا من خلال عدة دلائل، وخاصة أن امه آمنة بنت وهب كانت من قبائل النصارى العرب وماتت على نصرانيتها، وقد عقد زواجه الأول من خديجة بنت خويلد ابن عمها القس ورقة، وكلاهما ينتميان إلى قبيلة أسد النصرانية. والقس ما كان ليقبل إتمام مراسم الزواج إلا إذا كان العريس نصرانيًا أو تنصر قبل زواجه. ويوم فتح مكة دخل محمد الكعبة فأمر بمحو كل الصور إلا صورة يسوع وأمه. غير أننا نرجح ان يكون مؤلف القرآن يهوديًا نظرًا للكم الهائل من المعلومات اليهودية التي تضمنها، كما سنرى لاحقًا.
.
وإذا تركنا جانبًا نظرية أحمد القبانجي بأن القرآن من تأليف محمد فإن المصادر الإسلامية المتأخرة تشير إلى بعض أسماء المرشحين لأن يكونوا مؤلفي القرآن مثل القس ورقة بن نوفل والراهب بحيرى والحاخام عبد الله بن سلام الذي أسلم قبل وفاة محمد والحاخام كعب الأحبار الذي أسلم بعد وفاة محمد، وسلمان الفارسي الذي دان بالمجوسية والتقى بالرهبان والقساوسة ثم أسلم بعد تعرفه على محمد (أنظر هامش الآية 70-16: 103)، وزيد بن ثابت كاتب الوحي والقائم على لجنة جمع القرآن، وكان يهوديًا وفقًا لشهادة ابن مسعود. فقد قيل له ألا تقرأ على قراءة زيد؟ قال: «ما لي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت من في رسول الله سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان» (وهو الشعر المضفور عند اليهود). وهذا لا يعني ان هؤلاء هم الذين كتبوا القرآن، بل من المحتمل أن المعلومات التي تضمنها القرآن قد تم اقتباسها منهم على مراحل مختلفة، فالمعاني منهم والصياغة من محمد. مما يعني أن القرآن لم يعتمد على مؤلف واحد، بل على عدد من المؤلفين. ولكن المعلومات المتوفرة لدينا لا تسمح بتحديد أسماء مؤلفي القرآن بصورة أكيدة ومدى مشاركة كل واحد منهم في تأليفه. واللجنة التي كونها أبو بكر ومن بعده عثمان، ان صحت، لم تقم إلا بتجميع ما توفر لديها من معلومات مع نسبتها لله بدلًا من نسبتها لمن أتاحوا هذه المعلومات. وبالمعايير الحديثة، يعتبر القرآن أكبر سرقة أدبية على مر التاريخ، يضاف إليه كذب صريح في وضح النهار. وما تخريج المسلمين لتبرير تشابه ما تضمنه القرآن من معلومات مع الكتب التي سبقته إلا تهريج. فوفقًا لهذا التهريج، إن كان هناك شبه بين التوراة والإنجيل والقرآن فسببه وحدة المنشأ. فهذه الكتب الثلاثة جميعها صادرة عن الله.
.
نسبة الكتب المدقسة لله توقعه في ورطة
------------------------
إن كان التفريق بين الوحي والإلهام يحل بعض المشاكل الشكلية المرتبطة بالكتب المقدسة، إلا أنها تُبقي على مشكلة شائكة جدًا تتعلق بمضمون الكتب المقدسة.
فهذه الكتب تتضمن كلامًا منسوبًا إلى الله يعتبر اليوم مخالفًا لحقوق الإنسان، لا بل بمثابة جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي والوطني، نذكر منها على سبيل المثال النص التالي:
وقالَ صَموئيلُ لِشاوُل: أَنا الَّذي أَرسَلَني الرَّبُّ لأَمسَحَكَ مَلِكًا على شَعبه، على إِسْرائيل. فأسمعَ الآنَ قَولَ الرَّبّ. هكَذا يَقولُ رَبُّ القُوَّات: سأَفتَقِدُ عَماليقَ لِما صَنَعَ بِإِسرائيل، حينَ وَقَفَ لَه في الطَّريق، عِندَ صُعودِه مِن مِصْر. فهَلُمَّ الآنَ واضرِبْ عَماليق، وحَرِّمْ كُلَّ ما لَهم، ولا تُبقِ علَيه، بل أَمِتِ الرِّجالَ والنِّساءَ والأولادَ وحتَّى الرُّضَّعَ والبَقَرَ والغَنَمَ والإبلَ والحَمير (صموئيل الأول 15: 1-3).

وفي القرآن نظم لا تقل بشاعة من نظم التوراة مثل نظام ملك اليمين والرق والسبي والتمييز بين الرجل والمرأة وبين المسلمين وغير المسلمين والعقوبات الوحشية إلخ؟
.
ويشار هنا إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد قضت في حكمين لها أن الشريعة الإسلامية مخالفة لحقوق الإنسان، وهذا يعني أن القرآن، المصدر الأول للشريعة الإسلامية، مخالف لتلك الحقوق.
فإذا نسبنا القرآن لله، فهذا يعني أن الله يخالف حقوق الإنسان، وهي كارثة أخلاقية كبرى.
.
وإذا نسبنا القرآن لله، كيف يمكننا تبرير وجود اكثر من 2500 خطأ لغوية وانشائي في القرآن؟ هل الله ساقط في اللغة العربية؟
ومن هنا يأتي تمسك المسلمين بمقولة أن القرآن قمة البلاغة ومعصوم من الخطأ، كما انه يتفق مع العلم الحديث، وهو أعلى من حقوق الإنسان.
.
ولتخليص الله من هذه الورطة، يستوجب القول بأن لا علاقة لله بالكتب المقدسة المكدسة التي هي في حقيقتها كتب بشرية تتضمن الغث والسمين، وتحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ لغويًا وعلميًا وأخلاقيًا.
ومن هنا واجب اعادة تعريف الوحي:
فالوحي ليس كلام الله للبشر
ولكن كذب البشر على الله
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 23 أكتوبر 2017 - 0:35