الإنسانية

الإنسانية

الارتقاء الى المستوى الإنساني


  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

العالم كما نراه

شاطر
avatar
أبو عماد
Admin

عدد المساهمات : 517
تاريخ التسجيل : 20/11/2012
العمر : 62
الموقع : damas
25102015

العالم كما نراه

مُساهمة  أبو عماد

عندما كنت صغيرا كنت أحلم كثيرا، وأعيش بالخيال، ربما لأنني لا أطيق واقعي فأتهرب الى أحلام اليقظة أو لأنني كنت أريد أن أكبر بسرعة لأحقق شيئا ما، كنت أرى أشياء لا تعجبني وأسمع أحاديثا لا معنى لها وأرى أشخاصا لا أطمئن لهم، كنت أطلق لخيالي العنان ليسرح أينما يشاء وكنت أتبعه لأخوض المغامرات معه، وعندما أعود الى واقعي بسبب ما، أراه لا يزال على حاله، العالم والروتين والأحاديث التي تدور والعادات والتقاليد والحوادث اليومية والكذب والنفاق، وإذا كنت في المدرسة أبذل جهدا كبيرا في كبح جماح خيالي من ان يلهيني عن الانتباه للمعلم عندما يشرح شيئا ما، وعندما كنت أسير في شوارع مدينتي كنت أسرح قليلا وأعود بسرعة الى واقعي حتى لا أتعرض لأخطار الشارع أو حتى لا أسير في الطريق الخطأ، وعندما أدخل بيتي أشعر بأنني على موعد مع خيالي لأخوض مغامرة من نوع جديد أو لأكمل مغامرة كانت قد قطعت بسبب ما، فكنت أنهي واجباتي المدرسية وأستلقي على سريري وأحدق في سقف الغرفة وأطلق لخيالي العنان، كنت أرى نفسي في المدرسة وكيف قضيت يومي بين أصدقائي وأساتذتي وكيف كان تصرفي بشكل عام، كنت أرى نفسي مع عائلتي ولهوي مع اخوتي، استعرض الأحداث التي مرت والعقبات التي واجهتني، وعندما يعترضني شيئا لم يرق لي يبدأ خيالي بمعالجة الموقف ويطرح الحلول المناسبة وأسرح معه واذا غلبني النعاس فأكمل الباقي في منامي أو عند يقظتي وغالبا ما كنت أنسى بماذا كنت أحلم.

وفي يوم من الأيام دعاني صديق لي بالمدرسة الى زيارته لأرى مجهرا كان قد اشتراه والده بسبب حكم عمله في المختبرات الكيميائية، ودعاني الى رؤية الأجسام الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وأدهشني ما رأيت لأنني لم أكن أحلم أبدا بوجود عالما آخر يعيش بيننا ولا نراه بأعيننا، قضيت وقتا طويلا في مراقبتي لهذا العالم الجديد بحيث كنت لا أحلم إلا به، وأقرأ أي موضوع يتعلق بالأحياء الدقيقة والجراثيم والبكتريا والخلية والفايروسات، الى أن جاء يوما وزرت معرضا كان يحوي تلسكوبا فضائيا ورأيت من خلاله ضمن استعراض من قبل المختصين الكثير من النجوم والكواكب التي تضيء السماء ليلا وكنت قد سمعت عنها قصصا وروايات وأساطير ولكني الآن أراها وبألوانها الخلابة وأحجامها المختلفة وأبعادها الخيالية، انه علما آخر، كنت أراه كل يوما كما هو لم يتغير واعتدت على رؤيته إلا أنني اكتشفت أنه عالما واسعا متغيرا رهيبا وجميلا يلفه الغموض وتحفظه الاسرار، أسحرني منظره وأبهرني أنواره وما زلت أحلم بصوره لغاية الآن في مخيلتي بالرغم من أنني رأيت ألاف الصور عنه ولكن مشاهدته عبر التلسكوب يبهر القلوب ويحبس الأنفاس.
المجهر والتلسكوب، اختراعان من مخيلة الإنسان، يطلعنا على عالمين مختلفين لا نستطيع مشاهدتهما بالعين المجردة، اختراعان من نتيجة العلم الذي فسر لنا الكثير من الأسرار التي كان يلفها الغموض، عالمنا الذي نراه ونسمعه ونتحسس وجوده ونشم رائحته ونتذوق أطعمته هو الذي أطلق فضولنا لاكتشافه والتزود بعلومه والتعمق بقوانينه ومعرفة أسراره، وبفضله توصلنا الى تلبية طلباتنا وتحقيق أحلامنا، ان خيالنا وتساؤلاتنا يقودنا الى اكتشاف المجهول، العلم هو طريقة التفكير أكثر من أنه جمع للمعلومات.
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 15 ديسمبر 2017 - 10:23