الإنسانية

الإنسانية

الارتقاء الى المستوى الإنساني


  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الجانب الأخلاقي في القتل

شاطر
avatar
أبو عماد
Admin

عدد المساهمات : 556
تاريخ التسجيل : 20/11/2012
العمر : 63
الموقع : damas

الجانب الأخلاقي في القتل

مُساهمة  أبو عماد في السبت 23 أغسطس 2014 - 13:34



طالب الأشقر

تاريخ المقال : 2014-08-21

قضية أكل لحوم البشر
لقد ناقشنا في المقال السابق بعض المعضلات الأخلاقية من خلال قصة سائق القطار أو الطبيب، وكيف أننا في بعض الأحيان نميل إلى التبرير الأخلاقي للفعل من خلال النتائج التي تترتب عليه كما هي حالة سائق القطار أو الطبيب في غرفة الإسعاف ويطلق على هذا التبرير بالعواقب. في حالات أخرى، نرى أن الفعل بحد ذاته يمكن أن يكون مبرّراً أخلاقياً أو لا بغض النظر عن النتائج المترتبة عليه، كما هو حال الشخص الواقف على الجسر أو طبيب زراعة الأعضاء البشرية. بالتالي يمكن ملاحظة التناقض بين المبادئ الأخلاقية المتعلقة بالعواقب والمبادئ الأخلاقية المطلقة المرتبطة بالفعل نفسه.

سوف نبدأ في هذه المقالة بمناقشة الفلسفة النفعية (utilitarianism) والتي هي إحدى أبرز تجلّيات النظرية الأخلاقية العواقبية التي طرحها الفيلسوف الإنكليزي جيرمي بينثام ووضع أول صياغة واضحة لنظرية النفعية والتي يمكن تلخيصها بما يلي: الشيء الصحيح والعادل لنفعله سواءاً كنا أفراداً أم مشرعين يتحدد بمقدار ما يزيده هذا الفعل من النفعية على الشخص أو المجتمع. ويقصد بالنفعية هو التوازن ما بين السرور والألم، لأن جميع البشر يريدون مقدار أكبر من السرور ومقدار أقل من الألم. يمكن تلخيص نظرية بينثام النفعية بالشعار التالي: أكبر قدر من الفائدة لأكبر عدد من الناس.
الآن، دعونا نختبر هذه النظرية الأخلاقية من خلال قصة قارب النجاة التي حدثت عام 1884 وهي قصة حقيقة وليست افتراضية ومن أكثر القصص التي يتم طرحها للنقاش في كليات الحقوق.

القضية هي التالي: غرقت سفينة في جنوب المحيط الأطلسي على بعد 30 ألف ميل من الشاطئ، عليها طاقم مؤلف من أربعة أشخاص: الكابتن (دادلي) ومعاونه (ستيفين) والبحار (بروكس) وصبي السفينة (باركر) بعمر 17 سنة وكان يتيماً. خرج الطاقم على قارب نجاة من السفينة. كل ما كان لديهم من الطعام هو علبتين من اللفت فقط، بدون مياه للشرب. تمكّنوا من صيد سلحفاة فقط وعاشوا على اللفت والسلحفاة ثمانية أيام، بعدها لم يبقى لديهم أي شيء ليأكلوه أو يشربوه. مرض صبي السفينة (باركر) لأنه لم يستطع مقاومة العطش وشرب من ماء البحر ولم يستمع لنصيحة الآخرين وكان يبدو على وشك الموت.

في اليوم التاسع، جاء الكابتن (دادلي) وقال يجب أن نجري قرعة لنحدد من عليه أن يموت لينقذ الآخرين (أي ليتغذوا عليه)، رفض البحار (بروكس) تماماً الفكرة. في اليوم التالي لم تظهر أي سفينة في الأفق أيضاً، قال الكابتن لمعاونه من الأفضل أن يتم قتل الصبي (باركر) وطلب من بروكس أن يبقى جانباً ولا يتدخل. قام ستيفن بقتل الصبي بسكين. بعد قتل الصبي خرج بروكس من حالة تأنيب الضمير وشاركهم في أكل لحم باركر وشرب دمه. استطاعوا البقاء على قيد الحياة لأسبوعيين حتى تم إنقاذهم. وصف الكابتن (دادلي) عملية الإنقاذ في مذكراته بتعبير مثير للدهشة: "في اليوم الرابع والعشرين، حين كنا نتاول إفطارنا، ظهرت سفينة في الأفق".

قامت سفينة ألمانية بإنقاذ الثلاثة، وأخذتهم إلى فالموث في بريطانيا حيث تم اعتقالهم ومحاكمتهم. كان البحار (بروكس) هو شاهد العيان على الجريمة. لم ينكر دادلي وستيفين الواقعة ولكن قالو بأنهم فعلوا ذلك مجبرين، وعللوا ذلك أن يموت شخص مقابل إنقاذ حياة ثلاثة وإلا كنا سنموت جميعاً في النهاية. النائب العام لم يقتنع بهذا التبرير وقال القتل هو القتل.
لنتخيل الآن أنك عضو في هيئة المحكمة، بغض النظر عن القوانين السارية، ومن الناحية الأخلاقية هل سوف تجرم دادلي وستيفين ولماذا ؟
طرح المحاضر مايكل ساندل هذا السؤال على طلابه، قلة قليلة من الطلاب قالت بأنهم يعتبرون ما فعلوه يمكن تبريره أخلاقياً والأغلبية قالت أنه لا يمكن تبريره.

الأقلية المدافعة عن ستيفين ودادلي طرحت الأفكار التالية:
1) الضرورات تبيح المحظورات في حال كنت تواجه الموت عليك أن تفعل أي شي لتنقذ نفسك وهذا مبرر. نتيجة الفعل تم إنقاذ ثلاثة أشخاص ليعودوا كأشخاص فاعلين ومنتجين في المجتمع بدل من أن يموت الأربعة وهذا بالضبط ما ينادي به جيرمي بنثام في نظرية النفعية الأخلاقية سعادة أكبر لعدد أكبر من الأشخاص حيث إنقاذ ثلاثة أشخاص سوف يعطي السعادة لهم ولعائلاتهم وكل شخص يحبهم في بلدهم بينما باركر كان يتيماً في السابعة عشر ليس لديه عائلة ومريض على وشك الموت.
2) بقائهم 10 أيام بدون ماء وطعام في عرض المحيط بدون أمل في النجاة يجعلهم غير قادرين على التفكير السليم، وبالتالي لم يكونوا في حالة ذهنية سليمة حتى يتم معاقبتهم على تصرفهم هذا.
3) ليس بالضرورة أن يكون الفعل المدان أخلاقياً يجب أن نحاسب عليه جنائياً، قتلهم لباركر مدان أخلاقياً ولكن لا يجب ألا يدانو عليه قضائياً.
4) البعض اقترح أن هذا يمكن أن يكون مقبولاً في حال تم إجراء القرعة التي اقترحها دادلي في البداية، أو لو أن باركر هو من اقترح أن يضحي بنفسه لينقذ البقية.
أما المعارضون لهذا التصرف استندوا إلى ما يلي:
1) ما فعله ستيفين ودادلي هو خطأ بالمطلق ولا يمكن تبريره القتل هو القتل وغير قابل للتبرير حتى لو كان سوف يؤدي إلى قدر أكبر من السعادة لعدد أكبر من الناس.
2) أن صبي السفينة باركر لديه حقوق أصيلة لا يمكن أنتزاعها منه تحت أي ظرف ومنها حق الحياة.
3) حتى لو تم إجراء قرعة: هل يمكن للقرعة العادلة أن تبرر أخلاقياً أي نتيجة لها ؟
4) حتى لو وافق باركر بإرادته على التضحية بنفسه دون ضغط، ما هو الدور الأخلاقي للإيجاب في هذه الحالة وهل يمكن اعتبار إيجاب الشخص وموافقته يبرر أي شيء ينجم عنه؟
من هذه الواقعة نجد أن الفلسفة النفعيّة تواجه معضلة كبيرة ولا يمكن الركون إليها في جميع الحالات رغم أنها من الناحية النظرية جذابة وتقول بأن هدفها هو تحقيق أكبر قدر من السرور لأكبر عدد ممكن الناس إلّا أن هناك جوانب أخرى تجعل كثير من الأشخاص يرفضون تطبيقها كما هي الحال في قضية قارب النجاة.

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 15 أكتوبر 2018 - 10:16