الإنسانية

الإنسانية

الارتقاء الى المستوى الإنساني


  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الرّأي المبين في تفاهة تجّار الدّين

شاطر
avatar
أبو عماد
Admin

عدد المساهمات : 567
تاريخ التسجيل : 20/11/2012
العمر : 63
الموقع : damas

الرّأي المبين في تفاهة تجّار الدّين

مُساهمة  أبو عماد في الجمعة 3 مايو 2013 - 9:39

الرّأي المبين في تفاهة تجّار الدّين – "نوفل سلامة" أنموذجا
مالك بارودي
-----------------
(يمكنكم الإطلاع على بقيّة المقالات والرّدود على مدوّنتي الشّخصيّة:
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذا الرابط] )


قد يذهب في ظنّ البعض أنّ لفظ "تجّار الدّين" لا يشمل إلاّ من يشتغلون بالدّين من شيوخ ودعاة وأئمّة وعلماء كاذبين لولا إمتهانهم الضّحك على عقول النّاس وتعطيل تفكيرهم وإستغلال عواطفهم والإسترزاق من تعبهم لكانوا على نواصي الطّرقات يشحذون، لكن اللّفظ أعمّ وأشمل وأوسع من هذه الفئة المتلاعبة عن قصد ومع سابقيّة الإصرار والتّرصّد. اللّفظ يشمل كلّ من يتكلّم في الدّين سواء كان جاهلا أو منافقا مثل هؤلاء الشّيوخ. بل الجهلاء والحمقى أشدّ خطورة من الشّيوخ والدّعاة، لأنّهم يثبتون أنّهم خير خلف لخرافات شيوخهم، بل هم تجسّد الخرافات في الواقع وضمان حياتها وتواصلها. وهم يثبتون أيضا أنّ الأديان ما كان لها أن تنتشر وتعيش، لو لم تتوفّر لها أعداد كبيرة من الحمقى والمغفّلين والجهلة. وتاريخ الإسلام خير دليل على ذلك. فمن تبع محمّدا من قريش هم الرّعاع والعبيد والجهلة. لم يتبعه إلاّ قليلون من أصحاب العقول والأذكياء، ممّا يجعل من دخولهم الإسلام أمرا مشكوكا فيه... والدّليل أنّ ذوي العقول والعارفين بتاريخ الأمم السّابقة وبالحكايات الشّعبيّة والأساطير من أهل قريش قالوا، بشهادة القرآن: "يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين" (الأنعام: 25). ثمّ تكرّر ذكر هذا اللّفظ حرفيّا ثمان مرّات أخرى: الأنفال: 31، النّحل: 24، المؤمنون: 83، الفرقان: 5، النّمل: 68، الأحقاف: 17، القلم: 15، المطفّفين: 13. وإذا ربطنا هذه الآيات بحقيقة أنّ القرآن أتى على شكل متشظّي ومتفرّق زمنيّا سنعرف أنّ أهل قريش لم يقولوا كلامهم ذاك مرّة واحدة أو مرّتين، بل وجّهوا نفس الإتّهام لمحمّد مرّات عدّة لا يمكن التنبّؤ اليوم بعددها لأنّ التّاريخ الإسلامي سعى إلى طمس وتحريف بدايات الإسلام وتاريخ كلّ من سبق محمّدا أو عايشه وأنكر نبوءته ونجح في ذلك. من جهة أخرى، ينسب كاتب القرآن تلك التّهمة لكِبر وعناد ابتُلي بهما منكروا نبوءة محمّد، لكن الكثير من الدّراسات الحديثة في مجال مقارنة الأديان أثبتت أنّ كلّ ما أتى به محمّد في قرآنه من أخبار الأمم السّابقة ومن قصص ("نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن" - يوسف: 3) إنّما كان مقتبسا من الإنجيل والتّوراة وأساطير أمم أخرى ومن الحكايات الشّعبيّة. فـ"أولي الألباب"، حسب التّعبير القرآني، ليسوا أتباع محمّد، رغم إدّعائه ذلك، بل هم في الحقيقة كلّ هؤلاء الذين أنكروا نبوءته وإتّهموه بالجنون والشّعر والكذب ونقل خرافات وأساطير السّابقين وتحريف ما كانوا يعرفونه من الإنجيل والتّوراة. وحتّى يومنا هذا، قليلون هم العلماء الذين يعتنقون الإسلام، بل قليلون هم العلماء الذين يؤمنون بخرافات الآلهة وأساطير الخلق ومعجزات الأنبياء وغيرها من الخرافات التي لم تأت إلاّ بالخراب والوبال على الإنسانيّة.
قد يذهب في ظنّ البعض، بعد هذه المقدّمة، أنّ موضوع مقالي هذا سيكون عن محمّد وعن بدايات دعوته وتاريخه مع كلّ من أنكروا كلامه ورفضوا إدّعاءه، لكن الأمر غير ذلك. فقد أردت كتابة هذا المقال للرّدّ على مقال قرأته البارحة على صفحات جريدة "الصّريح" التّونسيّة تحت عنوان "ملاحظات أوّليّة حول مسودّة الدّستور" بقلم "نوفل سلامة" ("الصّريح"، 30 أفريل 2013، العدد 3994، ص 20)، وليس هذا الرّدّ إلاّ بسبب تجارة الكاتب المذكور بالدّين وترويجه وتسويقه لعدد من المغالطات والحماقات والأفكار المسمومة التي يستعملها كلّ المسترزقين من جهل النّاس من شيوخ ودعاة وأئمّة تحت مسمّى "إعلاء راية الإسلام" أو "الذّود عن الدّين الإسلامي". وهو يتّخذ مسودّة الدّستور التّونسي الثّالثة التي تسرّبت في الصّحف في الأياّم الأخيرة كتعلّة لترسيخ ما جادت به عقول التّجّار من أفكار وهلوسات وتلفيق لمواصلة الرّحلة القديمة التي بدأها محمّد بقرآنه لإعدام العقل وتهميش الإنسان.
يقول "نوفل سلامة": "أوّل هذه الملاحظات هي أنّ كلّ الحوارات التي أجريت مع أهل الشّأن في القانون الدّستوري وبعض رموز المعارضة وخاصّة من الأحزاب ذات التّوجّهات الماركسيّة قد أوضحت أنّهم لم يقدروا ولم يستطيعوا أن يقدّموا نقيصة أو هينة معتبرة في مشروع الدّستور الجديد وقد كان السّؤال الوحيد الذي كان يتكرّر بإستمرار هو أنّه بصرف النّظر عن الإيجابيّات التي تضمّنها هذا الدّستور ما هي النّقائص أو ما هو الأمر الذي كان يجب أن يضمّن في الدّستور الجديد ولم يقع تضمينه أو دسترته في أبوابه التي إحتوى عليها مثل باب السّلطة التّشريعيّة والقضائيّة والتّنفيذيّة أو غيرها؟ وما هو الحقّ الذي تمّ التّغافل عنه ولم يقع التّطرّق إليه وكان يجب تضمينه في باب الحقوق والحرّيّات مثلا؟ وقد كانت الإجابة دائما إمّا بالصّمت أو بالتلكؤ أو بالإجابة خارج السّؤال." المشكلة أنّ صاحب المقال له موقف واضح من "دستور النّهضة" (بما أنّ "حزب حركة النّهضة" هو الحاكم بأمره اليوم في تونس وبما أنّ معظم نوّاب المجلس الوطني التأسيسي ذوو توجّهات نهضويّة وبما أنّ المقرّر العام للدّستور نهضوي أيضا) وقد قرأت له بعض المقالات الأخرى الصّادرة في نفس هذه الجريدة والتي ينتصر فيها للشّريعة الإسلاميّة ويدافع عن التّوجّهات الحكوميّة ويختلق الأعذار للحزب الحاكم (مثلما كان المطبّلون للنّظام السّابق يختلقون الأعذار للحاكم السّابق). فالكاتب لديه افكار مسبقة يسقطها على كلّ ما يقرأه أو يسمعه أو يراه، وللأفكار المسبقة قدرة كبيرة على تشويه الحقائق وتحريف الأشياء لا يعرفها إلاّ من حرّر دماغه من التّبعيّة الفكريّة والإيمان الأعمى، الشّيء الذي لا يتوفّر في كاتب المقال. ففي نظره، كلّ من حلّلوا المسودّة الجديدة كانوا معارضين لها دون أسباب حتّى أنّهم كانوا غير قادرين على الإجابة على الأسئلة التي ذكرها صاحبنا. لكن، ألم يقولوا أنّ هذه المسودّة فيها من الثّغرات القانونيّة والتّناقضات ما سيفضي إلى ديكتاتوريّة أكبر من أيّ ديكتاتوريّة أخرى؟ ألم يقولوا أنّ هذه المسودّة هي نسخة محرّفة قليلا للدّستور الإيراني بما فيه من ديكتاتوريّة وقمع وإستبداد وإنغلاق وتهميش؟ ألم يقولوا أنّ التّنصيص على حرّيّة معيّنة ثمّ ربط تطبيقها بشروط مثل أن لا تتعارض مع الثّوابت الإسلاميّة هو كعدم التّنصيص عليها؟ فما يذكره في مقاله من أنّ "مسودّة الدّستور الجديد قد تضمّنت بابا مستقلا في الحقوق والحرّيّات إحتوى 25 فصلا من جملة 139 فصلا هي عدد فصول كامل الدّستور" إنّما هو من قبيل ذرّ الرّماد على العيون. فالعبرة لا تكون بكثرة الكلام بل بقيمته وبالأفكار التي يأتي بها. والتّنصيص على الشّيء ليس دليلا على أهمّيّته في عيون من كتبوه. سورة "النّساء" موجودة في القرآن، وهي دليل على أنّ المرأة ليس لها أيّ قيمة في الإسلام ولا تتمتّع بأيّ حرّيّة. كذلك الأمر بالنّسبة لفصول هذه المسودّة المغرقة في التّفاهة والإنشائيّة والتّلاعب بالألفاظ وبمستويات الخطاب وبالمرجعيّات. فهل يعني التّنصيص على "حرّيّة المعتقد" في فصول هذا الدّستور التّافه، الذي بلغ إنحطاط بعضهم إلى وصفه بـ"أعظم دستور في العالم"، أنّ أيّ يهوديّ يمكنه طلب بناء معبد لممارسة الدّيانة اليهوديّة في تونس ويحظى طلبه بالموافقة؟ هل يعني ذلك أنّ من سيشهر إلحاده وكفره بكلّ الآلهة وكلّ الأديان سيواصل العيش بأمان في هذه البلاد ولن يُقتل كما يقول القرآن؟ هل يعني ذلك أنّ أتباع الدّيانات الأخرى ستكون لهم الحرّيّة في نشر أديانهم والتّبشير بها علنا ودون التّعرّض للقتل أو السّجن؟ هذه بعض الأسئلة التي تبيّن أنّ ما ذهب إليه "نوفل سلامة" في مقاله ليس إلاّ ضحكا على عقول النّاس البسطاء ولعب بالكلام لا أساس له من الصّحّة. منطق الأعداد والنّسب الذي يستعمله الكاتب هنا أثبت قوّة تأثيره على عقول المسلمين وهو نفس المنطق الذي جعل "رشاد خليفة" يستنبط نظريّاته التّافهة عن "الإعجاز العددي في القرآن"، لأنّه يعرف وقع الأعداد على عقل المسلم. نفس الشيء يريد "نوفل سلامة" إيهامنا به هنا، بخصوص نصّ مسودّة الدّستور الثّالثة. ومن يعرف؟ ربّما سيقول أنّ في ورود 25 فصلا في باب الحرّيّات إعجازا "نهضويّا"...؟
ثمّ يأتي "نوفل سلامة" إلى الأسباب الحقيقيّة التي دفعته إلى كتابة هذا المقال في الفقرة الموالية، إذ يقول: "الملاحظة الثّالثة تلامس الموقف من الإسلام حيث إستمعنا خلال التعليق على هذه المسودّة إلى مواقف غريبة وعجيبة من بعض المحسوبين على الفكر الماركسي الشّيوعي ووقفنا على رؤية محيّرة لبعض رموز المعارضة اليساريّة تبرز أنّ للجماعة مشكلة مع الدّين الإسلامي وأنّ للقوم عقدة مع هويّة الشّعب. فالكثير منهم أظهر ربّما من دون أن يشعر حقده الدّفين للإسلام وأشعرنا أّ له عداء تاريخيّا معه وكشف عن تناقض محيّر. فهذه الجماعة من أتباع الفكر الشّيوعي قد أجهدت نفسها بعد الثورة لإقناعنا بأنّ أفرادها مسلمون وأنّه ليس لأحد الحقّ في أن يزايد على إسلامهم وأنّ الأحزاب ذات المرجعيّة الدّينيّة ليست أكثر إسلاما منهم وأنّهم حريصون على الدّفاع على الإسلام إذا ما تعرّض إلى خطر. ولكنّهم إذا وُضعوا على المحكّ وإذا اختُبروا في كلّ ما يقولونه فإنّ عورتهم تنكشف ونفاقهم يفتضح ويظهرون على حقيقتهم التي أخفوها عن الشّعب الذي لم يقولوا له أنّ لهم مشكلة وموقفا من الدّين ومن الإسلام وأنّ عقيدتهم تتقاطع على كلّ ما هو إيمان وغيبيّات ودين وإسلام. مشكلة الكثير من المثقّفين الماركسيّين في المعارضة أو من الذين نصّبوا أنفسهم خبراء وحكماء في القانون أنّ الدّستور قد تضمّن في أوّل سطر له البسملة وقالوا كيف يمكن أن يستفتح الدّستور بجملة بإسم الله الرحمان الرّحيم لأنّ ذلك في رأيهم يتعارض مع مدنيّة الدّولة ويضفي على الدّستور مسحة إسلاميّة دينيّة. مشكلتهم الكبرى في الدّستور أنّه تضمّن في التّوطئة جملة «وتأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتّفتّح والإعتدال» مع التّنصيص على مبدأ القيم الكونيّة ومبادئ حقوق الإنسان العالميّة. وقالوا كيف يقع التّنصيص على المبادئ الإسلاميّة مع منظومة الحقوق العالميّة التي تضمّنت حقوقا مخالفة للإسلام وهذا في شرعهم يتعارض مع مدنيّة الدّولة وفيه عودة إلى الشّريعة الإسلاميّة لتحكم روح الدّستور وهو موقف يظهر أنّ للجماعة نيّة مبيّتة لكتابة دستور علماني لا مكان فيه لثوابت الشّعب التّونسي ولا مكان فيه لدين هذا الشّعب. إنّهم يريدون دستورا لشعب هم تخيّلوه في أدمغتهم أو أنّهم يريدون كتابة دستور لشعب علق في السّماء. إنّ المشكلة الكبيرة التي وقفنا عليها في هذه المواقف هي أنّ الكثير من رموز المعارضة لهم مشكلة عميقة مع الإسلام ولهم عقدة تاريخيّة وعداء أزليّا مع هذا الدّين وهم اليوم قد أفصحوا عنهما رغم تعمّدهم إخفاء ذلك لفترة عن الشّعب. إنّ النّخبة الماركسيّة لها مشكلة مع الإسلام."
إذن، مشكلة الكاتب مع كلّ من نقدوا وإنتقدوا مسودّة الدّستور هي أنّه يراهم "أعداء للدّين الإسلامي"...! لكن، ما دخل الإسلام في الدستور أصلا؟ أوّلا، الدّستور نصّ قانوني ينظّم الدّولة وسلطها ويحفظ حقوق الأفراد المنتمين إليها والمتواجدين على أرضها بغضّ النّظر عن جنسهم أو لونهم أو معتقدهم. هذا هو التّعريف الحقيقي للفظ "دستور". ثانيا، مفهوم المواطنة، الذي لا وجود له في المرجعيّة الإسلاميّة لأنّه مرتبط بالدّولة المدنيّة الغربيّة ولأنّ الإسلام لا يوجد فيه مصطلح "الوطن" بالمفهوم المتعارف عليه والذي يزعم أمثال "نوفل سلامة" أنّهم موالون له، مفهوم المواطنة هذا يتجاوز ما عرفه المسلمون على مرّ تاريخهم لأنّه ينصّ على تساوي كلّ المواطنين في الحقوق والواجبات وعلى واجب الدّولة في الحفاظ على هذه الحقوق والواجبات بحياد، في حين أنّ تاريخ الإسلام يبيّن طبقيّة في التّعامل مع الرّعيّة من منطلق الإنتماء الدّيني، بل ويطالب غير المسلمين بدفع الجزية، فأين قواعد المواطنة في ذلك؟ ثالثا، الدّولة المدنيّة هي مصطلح غربي بالأساس، وهي تعني بالضّرورة حياديّة الدّولة ومؤسّساتها في التّعامل مع المواطنين وتطبيقها للقانون بغضّ النّظر عن إنتماءاتهم، وحياديّتها في توزيع الثّروات وفي التّعامل مع كلّ الأديان الموجودة على أرضها، فما هو تعريفك يا "نوفل سلامة" للدّولة المدنيّة" إن لم يكن تعريفا زئبقيّا تحشر فيه كلّ المتناقضات (شريعة، ديمقراطيّة، حكم الشّعب، قرآن، حديث، إجتهاد، إستفتاء، حرّيّة، حقوق، تطبيق الحدود، إلخ) وتضحك به على عقول الجهلة ومغيّبي العقول، مستكملا بذلك مسيرة التّجهيل والتّزييف التي يمارسها تجّار الدّين منذ بدايات الإسلام؟ رابعا، هناك في تونس آلاف المسيحيّين واليهود وأيضا اللاّدينيّين والملحدين (وهذه أصبحت حقيقة ويجب أن تجهّزوا أنفسكم للتّعامل معها، مؤسّسة دينيّة ومطبّلين على حدّ سواء، لأنّها الأمر الذي سيفضح نفاقكم وتخلّف الدّين الإسلامي في نموذجه التّونسي المعتدل، كما تقولون، بعد أن فضح الإسلام في نموذجه المتشدّد أو المتزمّت في المملكة العربيّة السّعوديّة مع قضايا مثل قضيّة "حمزة كاشغري"؛ رغم أنّ حادثة "ملحدي المهديّة" كانت المأزق الأوّل ولكنّها مرّت في غفلة من النّاس بسبب إهتمامهم بمهزلة "تحقيق أهداف الثّورة")، وربّما البوذيّين والهندوس والرّائيليّين والبهائيّين وغيرهم، وكلّهم يحملون الجنسيّة التّونسيّة، فكيف تجبر كلّ هؤلاء على إحترام دستور يكرّس التّمييز العقائدي لصالح المسلمين، ثمّ تدّعي أنّك أنشأت دولة مدنيّة؟ أين حقوق أصحاب الدّيانات الأخرى؟ وأين حقوق المرتدّين والملحدين، خاصّة أنّ المرجعيّة الإسلاميّة تنصّ، بشهادة كلّ "علماء المسلمين" المتبحّرين في علم التّخلّف والجهل، على قتل المرتدّ؟ ففي هذه الحالة، هل ستطبّق دولتك الخياليّة الهلاميّة حدود الشّريعة على المرتدّ فتحكم عليه بالقتل أم ستعتمد على منظومة الحقوق الكونيّة التي تنصّ على حرّيّة الإنسان في إعتناق الدّين الذي يريد والخروج منه إذا أراد وفي الكفر بكلّ الأديان أيضا؟
وأعود إلى سؤالي الأوّل: ما دخل الإسلام في الدستور أصلا، إذا لم تكن هناك نيّة لإنشاء دستور دولة دينيّة؟ كيف تتّهم الآخرين بأنّ لهم "نيّة مبيّتة لكتابة دستور علماني لا مكان فيه لثوابت الشّعب التّونسي ولا مكان فيه لدين هذا الشّعب" وتُنكر عليهم أن يتّهموا المدافعين عن الشّريعة والخلافة وكلّ تلك الخرافات بأنّ لهم نيّة مبيّتة لكتابة دستور ديني يضطهد التّونسيّين بإسم الله وبإسم فهم فلان أو فلان لآية أو لحديث وبإسم "ثوابت الإسلام" التي لم يتّفق على تعريفها إثنان؟ ثمّ من هذا الشّعب التّونسي الذي تتحدّث عنه وعن ثوابته؟ أليس شعبا متخيّلا لا علاقة له بالواقع، بما أنّك لن تستطيع أن تسأل كلّ التّونسيّين عن آرائهم وقناعاتهم بخصوص "الدّستور المنتظر"؟ ليس للشّعب على العموم ثوابت عدا ما مرّ من تاريخه والأرض التي يعيش عليها، وهذان الإثنان لا علاقة لهما بالإسلام في شيء، فالإسلام لم يولد في تونس بل أتاها غازيا وإحتلّها والأرض كانت لشعوب وحضارات أخرى قبل أن يستعمرها المسلمون. ثمّ أنّ لفظ "دين الشّعب" فيه مغالطة كبيرة وسخيفة، ذلك أنّ الشّعب التّونسي ليس كلّه مسلما وبما أنّ هناك أديانا أخرى فمن الحماقة أن تقول "دين الشّعب". ثمّ أنّ الدّيمقراطيّة (التي هي نفسها لا تمتّ بصلة للإسلام لا من قريب ولا من بعيد، ذلك أنّها مفهوم وثني لا يعترف بـ"حكم الله على الأرض" ولا بسلطة الحاكم المطلقة بل بسلطة الشّعب وقدرته على التّحكّم في مصيره) تقتضي أن لا يكون هناك إضطهاد للأقلّيّات من طرف الأغلبيّة وأن يحضى المسيحيّون واليهود وغيرهم – وإن كانوا رجلا واحدا في كامل تراب الجمهوريّة التّونسيّة – بحقوقهم مثل الأغلبيّة، بل قبلها وأفضل منها. فأين ذلك في إسلامك الخيالي؟
شيء آخر. إذا كنت تتّهم الشّيوعي بأنّه قد أجهد نفسه بعد الثورة لإقناعك بأنّه مسلم وأنّه ليس لأحد الحقّ في أن يزايد على إسلامه، فمن حقّنا إتّهامك بالنّفاق لأنّك بمقالك هذا تجهد نفسك لإقناعنا بأنّك مسلم وأنّك مع دستور "إسلامي-حداثي-ديمقراطي-حقوقي" كلّ شيء فيه متناقض، أي أنّك تحاول إقناعنا بخرافة لا تقلّ سخافة عن "الحمار الطّائر" المحمّدي في رحلته الفضائيّة اللّيليّة المعجزة المسمّاة "الإسراء والمعراج" والتي لم يشاهدها أحد. أتباع الإسلام بما أنّهم قبلوا خرافة البُراق فلا شكّ أنّهم سيقتنعون بخرافتك عن الدّيمقراطيّة الإسلاميّة الملتحية، ولكن رأيهم لا يُلزم أحدا غيرهم ولا يجب أن تحاول فرضه على الآخرين. وهذا بالضّبط أساس الدّولة المدنيّة: أن تتعامل مع الآخر على أنّه مواطن وليس على أنّه كافر، مثلما تقول هنا عن الماركسيّين والشّيوعيّين، فكلّ المواطنين يحترمون نفس القانون المحايد والدّولة عن طريق سلطتها القضائيّة هي الوحيدة التي يمكنها معاقبة من تثبت مخالفته لنصّ قانوني معيّن. ثمّ أليس إتّهامك لهم بهذه الطّريقة حكما على النّوايا، يا من كنت تلوم على النّظام السّابق حكمه على النّوايا وإضطهاده للمسلمين بسبب ممارستهم لدينهم؟ فهل إنقلبت الآية اليوم وصار الغاضب من تحديد حرّيّته في زمن زين العابدين بن علي مساندا رسميّا لتواصل منظومة تحديد الحرّيّات لكن على من يخالفونه الدّين أو يشكّ في عدم إسلامهم؟ إذا لم يكن هذا نفاقا، فلتتفضّل بمدّنا بتعريفك للنّفاق حتّى تُصحّح أفكارنا.
ثمّ، أليس الدّين مسألة شخصيّة؟ لماذا تُقحمونه في السّياسة وتحاولون إجبار النّاس على الرّضوخ لأوهام وخرافات لا تتعلّق إلاّ بدينكم وبتصوّراتكم لثوابت هذا الدّين (الإجتهادات وإختلاف المذاهب)؟ أليس في إدخال الدّين في السّياسة إفساد للدّين (لنفترض أنّه في الأصل صالح) وإفساد للسّياسة؟ لنفترض أنّكم أقمتم دولة إسلاميّة تحكم بشرع الله حسب تصوّركم وعلى قياس أوهامكم ثمّ فشلت، فهل ستقبلون أن يُقال "فشلت دولة الله" أو "فشل حكم الله"؟ هل ستقبلون أن يقول المضطهدون (وما أكثرهم في تاريخ الدّول الإسلاميّة المتعاقبة منذ عهد محمّد) "حكم الله ظالم" أو "اللّعنة على الله الذي يحكمني هؤلاء بإسمه"؟ أنتم تزعمون أنّ الإسلام كامل وشامل وجميل وعادل ومثالي، فلماذا تريدون إقحامه في السّياسة التي تعتمد على المصالح المتغيّرة والمكر والخداع والفساد... أم أنّ لكم رأيا يقول، بحجّة من القرآن والسّنّة، أنّ المكر الإسلامي حلال مادام صاحبه يؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر، وأنّ الفساد الإسلامي لا يخالف الشّرع ما دام الشّخص الفاسد مسلما ويحمل لحية طويلة ولا يبدأ الكلام إلاّ بالبسملة ويُكثر من التّسبيح وهو يمارس فساده...؟
هذه بعض النّقاط التي أردت قولها لـ"نوفل سلامة" ولكلّ من يتاجرون بالدّين في عالمنا العربي المتخلّف الجاهل الذي لن يكون له أيّ مستقبل إذا واصل على خلط الأمور مع بعضها وواصل تعطيل عقله لفائدة شيوخ وأئمّة وفقهاء لا يهمّهم سوى الرّبح المادّي... وإسألوا "علماء المسلمين" عن ثرواتهم لتقتنعوا بأنّهم فعلا تجّار دين من الطّراز الأوّل. – "نوفل سلامة" أنموذجا
مالك بارودي
-----------------
(يمكنكم الإطلاع على بقيّة المقالات والرّدود على مدوّنتي الشّخصيّة:
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذا الرابط] )


قد يذهب في ظنّ البعض أنّ لفظ "تجّار الدّين" لا يشمل إلاّ من يشتغلون بالدّين من شيوخ ودعاة وأئمّة وعلماء كاذبين لولا إمتهانهم الضّحك على عقول النّاس وتعطيل تفكيرهم وإستغلال عواطفهم والإسترزاق من تعبهم لكانوا على نواصي الطّرقات يشحذون، لكن اللّفظ أعمّ وأشمل وأوسع من هذه الفئة المتلاعبة عن قصد ومع سابقيّة الإصرار والتّرصّد. اللّفظ يشمل كلّ من يتكلّم في الدّين سواء كان جاهلا أو منافقا مثل هؤلاء الشّيوخ. بل الجهلاء والحمقى أشدّ خطورة من الشّيوخ والدّعاة، لأنّهم يثبتون أنّهم خير خلف لخرافات شيوخهم، بل هم تجسّد الخرافات في الواقع وضمان حياتها وتواصلها. وهم يثبتون أيضا أنّ الأديان ما كان لها أن تنتشر وتعيش، لو لم تتوفّر لها أعداد كبيرة من الحمقى والمغفّلين والجهلة. وتاريخ الإسلام خير دليل على ذلك. فمن تبع محمّدا من قريش هم الرّعاع والعبيد والجهلة. لم يتبعه إلاّ قليلون من أصحاب العقول والأذكياء، ممّا يجعل من دخولهم الإسلام أمرا مشكوكا فيه... والدّليل أنّ ذوي العقول والعارفين بتاريخ الأمم السّابقة وبالحكايات الشّعبيّة والأساطير من أهل قريش قالوا، بشهادة القرآن: "يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين" (الأنعام: 25). ثمّ تكرّر ذكر هذا اللّفظ حرفيّا ثمان مرّات أخرى: الأنفال: 31، النّحل: 24، المؤمنون: 83، الفرقان: 5، النّمل: 68، الأحقاف: 17، القلم: 15، المطفّفين: 13. وإذا ربطنا هذه الآيات بحقيقة أنّ القرآن أتى على شكل متشظّي ومتفرّق زمنيّا سنعرف أنّ أهل قريش لم يقولوا كلامهم ذاك مرّة واحدة أو مرّتين، بل وجّهوا نفس الإتّهام لمحمّد مرّات عدّة لا يمكن التنبّؤ اليوم بعددها لأنّ التّاريخ الإسلامي سعى إلى طمس وتحريف بدايات الإسلام وتاريخ كلّ من سبق محمّدا أو عايشه وأنكر نبوءته ونجح في ذلك. من جهة أخرى، ينسب كاتب القرآن تلك التّهمة لكِبر وعناد ابتُلي بهما منكروا نبوءة محمّد، لكن الكثير من الدّراسات الحديثة في مجال مقارنة الأديان أثبتت أنّ كلّ ما أتى به محمّد في قرآنه من أخبار الأمم السّابقة ومن قصص ("نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن" - يوسف: 3) إنّما كان مقتبسا من الإنجيل والتّوراة وأساطير أمم أخرى ومن الحكايات الشّعبيّة. فـ"أولي الألباب"، حسب التّعبير القرآني، ليسوا أتباع محمّد، رغم إدّعائه ذلك، بل هم في الحقيقة كلّ هؤلاء الذين أنكروا نبوءته وإتّهموه بالجنون والشّعر والكذب ونقل خرافات وأساطير السّابقين وتحريف ما كانوا يعرفونه من الإنجيل والتّوراة. وحتّى يومنا هذا، قليلون هم العلماء الذين يعتنقون الإسلام، بل قليلون هم العلماء الذين يؤمنون بخرافات الآلهة وأساطير الخلق ومعجزات الأنبياء وغيرها من الخرافات التي لم تأت إلاّ بالخراب والوبال على الإنسانيّة.
قد يذهب في ظنّ البعض، بعد هذه المقدّمة، أنّ موضوع مقالي هذا سيكون عن محمّد وعن بدايات دعوته وتاريخه مع كلّ من أنكروا كلامه ورفضوا إدّعاءه، لكن الأمر غير ذلك. فقد أردت كتابة هذا المقال للرّدّ على مقال قرأته البارحة على صفحات جريدة "الصّريح" التّونسيّة تحت عنوان "ملاحظات أوّليّة حول مسودّة الدّستور" بقلم "نوفل سلامة" ("الصّريح"، 30 أفريل 2013، العدد 3994، ص 20)، وليس هذا الرّدّ إلاّ بسبب تجارة الكاتب المذكور بالدّين وترويجه وتسويقه لعدد من المغالطات والحماقات والأفكار المسمومة التي يستعملها كلّ المسترزقين من جهل النّاس من شيوخ ودعاة وأئمّة تحت مسمّى "إعلاء راية الإسلام" أو "الذّود عن الدّين الإسلامي". وهو يتّخذ مسودّة الدّستور التّونسي الثّالثة التي تسرّبت في الصّحف في الأياّم الأخيرة كتعلّة لترسيخ ما جادت به عقول التّجّار من أفكار وهلوسات وتلفيق لمواصلة الرّحلة القديمة التي بدأها محمّد بقرآنه لإعدام العقل وتهميش الإنسان.
يقول "نوفل سلامة": "أوّل هذه الملاحظات هي أنّ كلّ الحوارات التي أجريت مع أهل الشّأن في القانون الدّستوري وبعض رموز المعارضة وخاصّة من الأحزاب ذات التّوجّهات الماركسيّة قد أوضحت أنّهم لم يقدروا ولم يستطيعوا أن يقدّموا نقيصة أو هينة معتبرة في مشروع الدّستور الجديد وقد كان السّؤال الوحيد الذي كان يتكرّر بإستمرار هو أنّه بصرف النّظر عن الإيجابيّات التي تضمّنها هذا الدّستور ما هي النّقائص أو ما هو الأمر الذي كان يجب أن يضمّن في الدّستور الجديد ولم يقع تضمينه أو دسترته في أبوابه التي إحتوى عليها مثل باب السّلطة التّشريعيّة والقضائيّة والتّنفيذيّة أو غيرها؟ وما هو الحقّ الذي تمّ التّغافل عنه ولم يقع التّطرّق إليه وكان يجب تضمينه في باب الحقوق والحرّيّات مثلا؟ وقد كانت الإجابة دائما إمّا بالصّمت أو بالتلكؤ أو بالإجابة خارج السّؤال." المشكلة أنّ صاحب المقال له موقف واضح من "دستور النّهضة" (بما أنّ "حزب حركة النّهضة" هو الحاكم بأمره اليوم في تونس وبما أنّ معظم نوّاب المجلس الوطني التأسيسي ذوو توجّهات نهضويّة وبما أنّ المقرّر العام للدّستور نهضوي أيضا) وقد قرأت له بعض المقالات الأخرى الصّادرة في نفس هذه الجريدة والتي ينتصر فيها للشّريعة الإسلاميّة ويدافع عن التّوجّهات الحكوميّة ويختلق الأعذار للحزب الحاكم (مثلما كان المطبّلون للنّظام السّابق يختلقون الأعذار للحاكم السّابق). فالكاتب لديه افكار مسبقة يسقطها على كلّ ما يقرأه أو يسمعه أو يراه، وللأفكار المسبقة قدرة كبيرة على تشويه الحقائق وتحريف الأشياء لا يعرفها إلاّ من حرّر دماغه من التّبعيّة الفكريّة والإيمان الأعمى، الشّيء الذي لا يتوفّر في كاتب المقال. ففي نظره، كلّ من حلّلوا المسودّة الجديدة كانوا معارضين لها دون أسباب حتّى أنّهم كانوا غير قادرين على الإجابة على الأسئلة التي ذكرها صاحبنا. لكن، ألم يقولوا أنّ هذه المسودّة فيها من الثّغرات القانونيّة والتّناقضات ما سيفضي إلى ديكتاتوريّة أكبر من أيّ ديكتاتوريّة أخرى؟ ألم يقولوا أنّ هذه المسودّة هي نسخة محرّفة قليلا للدّستور الإيراني بما فيه من ديكتاتوريّة وقمع وإستبداد وإنغلاق وتهميش؟ ألم يقولوا أنّ التّنصيص على حرّيّة معيّنة ثمّ ربط تطبيقها بشروط مثل أن لا تتعارض مع الثّوابت الإسلاميّة هو كعدم التّنصيص عليها؟ فما يذكره في مقاله من أنّ "مسودّة الدّستور الجديد قد تضمّنت بابا مستقلا في الحقوق والحرّيّات إحتوى 25 فصلا من جملة 139 فصلا هي عدد فصول كامل الدّستور" إنّما هو من قبيل ذرّ الرّماد على العيون. فالعبرة لا تكون بكثرة الكلام بل بقيمته وبالأفكار التي يأتي بها. والتّنصيص على الشّيء ليس دليلا على أهمّيّته في عيون من كتبوه. سورة "النّساء" موجودة في القرآن، وهي دليل على أنّ المرأة ليس لها أيّ قيمة في الإسلام ولا تتمتّع بأيّ حرّيّة. كذلك الأمر بالنّسبة لفصول هذه المسودّة المغرقة في التّفاهة والإنشائيّة والتّلاعب بالألفاظ وبمستويات الخطاب وبالمرجعيّات. فهل يعني التّنصيص على "حرّيّة المعتقد" في فصول هذا الدّستور التّافه، الذي بلغ إنحطاط بعضهم إلى وصفه بـ"أعظم دستور في العالم"، أنّ أيّ يهوديّ يمكنه طلب بناء معبد لممارسة الدّيانة اليهوديّة في تونس ويحظى طلبه بالموافقة؟ هل يعني ذلك أنّ من سيشهر إلحاده وكفره بكلّ الآلهة وكلّ الأديان سيواصل العيش بأمان في هذه البلاد ولن يُقتل كما يقول القرآن؟ هل يعني ذلك أنّ أتباع الدّيانات الأخرى ستكون لهم الحرّيّة في نشر أديانهم والتّبشير بها علنا ودون التّعرّض للقتل أو السّجن؟ هذه بعض الأسئلة التي تبيّن أنّ ما ذهب إليه "نوفل سلامة" في مقاله ليس إلاّ ضحكا على عقول النّاس البسطاء ولعب بالكلام لا أساس له من الصّحّة. منطق الأعداد والنّسب الذي يستعمله الكاتب هنا أثبت قوّة تأثيره على عقول المسلمين وهو نفس المنطق الذي جعل "رشاد خليفة" يستنبط نظريّاته التّافهة عن "الإعجاز العددي في القرآن"، لأنّه يعرف وقع الأعداد على عقل المسلم. نفس الشيء يريد "نوفل سلامة" إيهامنا به هنا، بخصوص نصّ مسودّة الدّستور الثّالثة. ومن يعرف؟ ربّما سيقول أنّ في ورود 25 فصلا في باب الحرّيّات إعجازا "نهضويّا"...؟
ثمّ يأتي "نوفل سلامة" إلى الأسباب الحقيقيّة التي دفعته إلى كتابة هذا المقال في الفقرة الموالية، إذ يقول: "الملاحظة الثّالثة تلامس الموقف من الإسلام حيث إستمعنا خلال التعليق على هذه المسودّة إلى مواقف غريبة وعجيبة من بعض المحسوبين على الفكر الماركسي الشّيوعي ووقفنا على رؤية محيّرة لبعض رموز المعارضة اليساريّة تبرز أنّ للجماعة مشكلة مع الدّين الإسلامي وأنّ للقوم عقدة مع هويّة الشّعب. فالكثير منهم أظهر ربّما من دون أن يشعر حقده الدّفين للإسلام وأشعرنا أّ له عداء تاريخيّا معه وكشف عن تناقض محيّر. فهذه الجماعة من أتباع الفكر الشّيوعي قد أجهدت نفسها بعد الثورة لإقناعنا بأنّ أفرادها مسلمون وأنّه ليس لأحد الحقّ في أن يزايد على إسلامهم وأنّ الأحزاب ذات المرجعيّة الدّينيّة ليست أكثر إسلاما منهم وأنّهم حريصون على الدّفاع على الإسلام إذا ما تعرّض إلى خطر. ولكنّهم إذا وُضعوا على المحكّ وإذا اختُبروا في كلّ ما يقولونه فإنّ عورتهم تنكشف ونفاقهم يفتضح ويظهرون على حقيقتهم التي أخفوها عن الشّعب الذي لم يقولوا له أنّ لهم مشكلة وموقفا من الدّين ومن الإسلام وأنّ عقيدتهم تتقاطع على كلّ ما هو إيمان وغيبيّات ودين وإسلام. مشكلة الكثير من المثقّفين الماركسيّين في المعارضة أو من الذين نصّبوا أنفسهم خبراء وحكماء في القانون أنّ الدّستور قد تضمّن في أوّل سطر له البسملة وقالوا كيف يمكن أن يستفتح الدّستور بجملة بإسم الله الرحمان الرّحيم لأنّ ذلك في رأيهم يتعارض مع مدنيّة الدّولة ويضفي على الدّستور مسحة إسلاميّة دينيّة. مشكلتهم الكبرى في الدّستور أنّه تضمّن في التّوطئة جملة «وتأسيسا على ثوابت الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتّفتّح والإعتدال» مع التّنصيص على مبدأ القيم الكونيّة ومبادئ حقوق الإنسان العالميّة. وقالوا كيف يقع التّنصيص على المبادئ الإسلاميّة مع منظومة الحقوق العالميّة التي تضمّنت حقوقا مخالفة للإسلام وهذا في شرعهم يتعارض مع مدنيّة الدّولة وفيه عودة إلى الشّريعة الإسلاميّة لتحكم روح الدّستور وهو موقف يظهر أنّ للجماعة نيّة مبيّتة لكتابة دستور علماني لا مكان فيه لثوابت الشّعب التّونسي ولا مكان فيه لدين هذا الشّعب. إنّهم يريدون دستورا لشعب هم تخيّلوه في أدمغتهم أو أنّهم يريدون كتابة دستور لشعب علق في السّماء. إنّ المشكلة الكبيرة التي وقفنا عليها في هذه المواقف هي أنّ الكثير من رموز المعارضة لهم مشكلة عميقة مع الإسلام ولهم عقدة تاريخيّة وعداء أزليّا مع هذا الدّين وهم اليوم قد أفصحوا عنهما رغم تعمّدهم إخفاء ذلك لفترة عن الشّعب. إنّ النّخبة الماركسيّة لها مشكلة مع الإسلام."
إذن، مشكلة الكاتب مع كلّ من نقدوا وإنتقدوا مسودّة الدّستور هي أنّه يراهم "أعداء للدّين الإسلامي"...! لكن، ما دخل الإسلام في الدستور أصلا؟ أوّلا، الدّستور نصّ قانوني ينظّم الدّولة وسلطها ويحفظ حقوق الأفراد المنتمين إليها والمتواجدين على أرضها بغضّ النّظر عن جنسهم أو لونهم أو معتقدهم. هذا هو التّعريف الحقيقي للفظ "دستور". ثانيا، مفهوم المواطنة، الذي لا وجود له في المرجعيّة الإسلاميّة لأنّه مرتبط بالدّولة المدنيّة الغربيّة ولأنّ الإسلام لا يوجد فيه مصطلح "الوطن" بالمفهوم المتعارف عليه والذي يزعم أمثال "نوفل سلامة" أنّهم موالون له، مفهوم المواطنة هذا يتجاوز ما عرفه المسلمون على مرّ تاريخهم لأنّه ينصّ على تساوي كلّ المواطنين في الحقوق والواجبات وعلى واجب الدّولة في الحفاظ على هذه الحقوق والواجبات بحياد، في حين أنّ تاريخ الإسلام يبيّن طبقيّة في التّعامل مع الرّعيّة من منطلق الإنتماء الدّيني، بل ويطالب غير المسلمين بدفع الجزية، فأين قواعد المواطنة في ذلك؟ ثالثا، الدّولة المدنيّة هي مصطلح غربي بالأساس، وهي تعني بالضّرورة حياديّة الدّولة ومؤسّساتها في التّعامل مع المواطنين وتطبيقها للقانون بغضّ النّظر عن إنتماءاتهم، وحياديّتها في توزيع الثّروات وفي التّعامل مع كلّ الأديان الموجودة على أرضها، فما هو تعريفك يا "نوفل سلامة" للدّولة المدنيّة" إن لم يكن تعريفا زئبقيّا تحشر فيه كلّ المتناقضات (شريعة، ديمقراطيّة، حكم الشّعب، قرآن، حديث، إجتهاد، إستفتاء، حرّيّة، حقوق، تطبيق الحدود، إلخ) وتضحك به على عقول الجهلة ومغيّبي العقول، مستكملا بذلك مسيرة التّجهيل والتّزييف التي يمارسها تجّار الدّين منذ بدايات الإسلام؟ رابعا، هناك في تونس آلاف المسيحيّين واليهود وأيضا اللاّدينيّين والملحدين (وهذه أصبحت حقيقة ويجب أن تجهّزوا أنفسكم للتّعامل معها، مؤسّسة دينيّة ومطبّلين على حدّ سواء، لأنّها الأمر الذي سيفضح نفاقكم وتخلّف الدّين الإسلامي في نموذجه التّونسي المعتدل، كما تقولون، بعد أن فضح الإسلام في نموذجه المتشدّد أو المتزمّت في المملكة العربيّة السّعوديّة مع قضايا مثل قضيّة "حمزة كاشغري"؛ رغم أنّ حادثة "ملحدي المهديّة" كانت المأزق الأوّل ولكنّها مرّت في غفلة من النّاس بسبب إهتمامهم بمهزلة "تحقيق أهداف الثّورة")، وربّما البوذيّين والهندوس والرّائيليّين والبهائيّين وغيرهم، وكلّهم يحملون الجنسيّة التّونسيّة، فكيف تجبر كلّ هؤلاء على إحترام دستور يكرّس التّمييز العقائدي لصالح المسلمين، ثمّ تدّعي أنّك أنشأت دولة مدنيّة؟ أين حقوق أصحاب الدّيانات الأخرى؟ وأين حقوق المرتدّين والملحدين، خاصّة أنّ المرجعيّة الإسلاميّة تنصّ، بشهادة كلّ "علماء المسلمين" المتبحّرين في علم التّخلّف والجهل، على قتل المرتدّ؟ ففي هذه الحالة، هل ستطبّق دولتك الخياليّة الهلاميّة حدود الشّريعة على المرتدّ فتحكم عليه بالقتل أم ستعتمد على منظومة الحقوق الكونيّة التي تنصّ على حرّيّة الإنسان في إعتناق الدّين الذي يريد والخروج منه إذا أراد وفي الكفر بكلّ الأديان أيضا؟
وأعود إلى سؤالي الأوّل: ما دخل الإسلام في الدستور أصلا، إذا لم تكن هناك نيّة لإنشاء دستور دولة دينيّة؟ كيف تتّهم الآخرين بأنّ لهم "نيّة مبيّتة لكتابة دستور علماني لا مكان فيه لثوابت الشّعب التّونسي ولا مكان فيه لدين هذا الشّعب" وتُنكر عليهم أن يتّهموا المدافعين عن الشّريعة والخلافة وكلّ تلك الخرافات بأنّ لهم نيّة مبيّتة لكتابة دستور ديني يضطهد التّونسيّين بإسم الله وبإسم فهم فلان أو فلان لآية أو لحديث وبإسم "ثوابت الإسلام" التي لم يتّفق على تعريفها إثنان؟ ثمّ من هذا الشّعب التّونسي الذي تتحدّث عنه وعن ثوابته؟ أليس شعبا متخيّلا لا علاقة له بالواقع، بما أنّك لن تستطيع أن تسأل كلّ التّونسيّين عن آرائهم وقناعاتهم بخصوص "الدّستور المنتظر"؟ ليس للشّعب على العموم ثوابت عدا ما مرّ من تاريخه والأرض التي يعيش عليها، وهذان الإثنان لا علاقة لهما بالإسلام في شيء، فالإسلام لم يولد في تونس بل أتاها غازيا وإحتلّها والأرض كانت لشعوب وحضارات أخرى قبل أن يستعمرها المسلمون. ثمّ أنّ لفظ "دين الشّعب" فيه مغالطة كبيرة وسخيفة، ذلك أنّ الشّعب التّونسي ليس كلّه مسلما وبما أنّ هناك أديانا أخرى فمن الحماقة أن تقول "دين الشّعب". ثمّ أنّ الدّيمقراطيّة (التي هي نفسها لا تمتّ بصلة للإسلام لا من قريب ولا من بعيد، ذلك أنّها مفهوم وثني لا يعترف بـ"حكم الله على الأرض" ولا بسلطة الحاكم المطلقة بل بسلطة الشّعب وقدرته على التّحكّم في مصيره) تقتضي أن لا يكون هناك إضطهاد للأقلّيّات من طرف الأغلبيّة وأن يحضى المسيحيّون واليهود وغيرهم – وإن كانوا رجلا واحدا في كامل تراب الجمهوريّة التّونسيّة – بحقوقهم مثل الأغلبيّة، بل قبلها وأفضل منها. فأين ذلك في إسلامك الخيالي؟
شيء آخر. إذا كنت تتّهم الشّيوعي بأنّه قد أجهد نفسه بعد الثورة لإقناعك بأنّه مسلم وأنّه ليس لأحد الحقّ في أن يزايد على إسلامه، فمن حقّنا إتّهامك بالنّفاق لأنّك بمقالك هذا تجهد نفسك لإقناعنا بأنّك مسلم وأنّك مع دستور "إسلامي-حداثي-ديمقراطي-حقوقي" كلّ شيء فيه متناقض، أي أنّك تحاول إقناعنا بخرافة لا تقلّ سخافة عن "الحمار الطّائر" المحمّدي في رحلته الفضائيّة اللّيليّة المعجزة المسمّاة "الإسراء والمعراج" والتي لم يشاهدها أحد. أتباع الإسلام بما أنّهم قبلوا خرافة البُراق فلا شكّ أنّهم سيقتنعون بخرافتك عن الدّيمقراطيّة الإسلاميّة الملتحية، ولكن رأيهم لا يُلزم أحدا غيرهم ولا يجب أن تحاول فرضه على الآخرين. وهذا بالضّبط أساس الدّولة المدنيّة: أن تتعامل مع الآخر على أنّه مواطن وليس على أنّه كافر، مثلما تقول هنا عن الماركسيّين والشّيوعيّين، فكلّ المواطنين يحترمون نفس القانون المحايد والدّولة عن طريق سلطتها القضائيّة هي الوحيدة التي يمكنها معاقبة من تثبت مخالفته لنصّ قانوني معيّن. ثمّ أليس إتّهامك لهم بهذه الطّريقة حكما على النّوايا، يا من كنت تلوم على النّظام السّابق حكمه على النّوايا وإضطهاده للمسلمين بسبب ممارستهم لدينهم؟ فهل إنقلبت الآية اليوم وصار الغاضب من تحديد حرّيّته في زمن زين العابدين بن علي مساندا رسميّا لتواصل منظومة تحديد الحرّيّات لكن على من يخالفونه الدّين أو يشكّ في عدم إسلامهم؟ إذا لم يكن هذا نفاقا، فلتتفضّل بمدّنا بتعريفك للنّفاق حتّى تُصحّح أفكارنا.
ثمّ، أليس الدّين مسألة شخصيّة؟ لماذا تُقحمونه في السّياسة وتحاولون إجبار النّاس على الرّضوخ لأوهام وخرافات لا تتعلّق إلاّ بدينكم وبتصوّراتكم لثوابت هذا الدّين (الإجتهادات وإختلاف المذاهب)؟ أليس في إدخال الدّين في السّياسة إفساد للدّين (لنفترض أنّه في الأصل صالح) وإفساد للسّياسة؟ لنفترض أنّكم أقمتم دولة إسلاميّة تحكم بشرع الله حسب تصوّركم وعلى قياس أوهامكم ثمّ فشلت، فهل ستقبلون أن يُقال "فشلت دولة الله" أو "فشل حكم الله"؟ هل ستقبلون أن يقول المضطهدون (وما أكثرهم في تاريخ الدّول الإسلاميّة المتعاقبة منذ عهد محمّد) "حكم الله ظالم" أو "اللّعنة على الله الذي يحكمني هؤلاء بإسمه"؟ أنتم تزعمون أنّ الإسلام كامل وشامل وجميل وعادل ومثالي، فلماذا تريدون إقحامه في السّياسة التي تعتمد على المصالح المتغيّرة والمكر والخداع والفساد... أم أنّ لكم رأيا يقول، بحجّة من القرآن والسّنّة، أنّ المكر الإسلامي حلال مادام صاحبه يؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر، وأنّ الفساد الإسلامي لا يخالف الشّرع ما دام الشّخص الفاسد مسلما ويحمل لحية طويلة ولا يبدأ الكلام إلاّ بالبسملة ويُكثر من التّسبيح وهو يمارس فساده...؟
هذه بعض النّقاط التي أردت قولها لـ"نوفل سلامة" ولكلّ من يتاجرون بالدّين في عالمنا العربي المتخلّف الجاهل الذي لن يكون له أيّ مستقبل إذا واصل على خلط الأمور مع بعضها وواصل تعطيل عقله لفائدة شيوخ وأئمّة وفقهاء لا يهمّهم سوى الرّبح المادّي... وإسألوا "علماء المسلمين" عن ثرواتهم لتقتنعوا بأنّهم فعلا تجّار دين من الطّراز الأوّل.
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو السبت 15 ديسمبر 2018 - 2:30